محمد هادي معرفة
188
التمهيد في علوم القرآن
( عليهم السلام ) بان اتفق لهم العلم بأسباب سحر لم يعثر عليه سحرة عصرهم ، وأنّ هذا يشبه القول بأنّ وجود العالم بالصدفة والبخت والاتفاق لا عن صنيع صانع وتدبير واضع - قال : كما اتضح من جميع ذلك منتهى فساد القول بأنّ إعجاز القرآن ليس هو بجوهره وذاته ، بل بالحجز عنه والصرفة دونه . إن ذلك إلّا رأي عازب ، وقول كاذب ، قول من لم يجعل اللّه له من معرفة البلاغة حظا ، ولا حصّل من شرائف حقائقها ومعانيها إلّا حكاية ولفظا ، فمذ ضايقه العجز والجهالة لجأ إلى هذه المقابلة ، وضلّ يخبط في أمثال هذه الضلالة . ولست أرى لهذه الشبهة صورة صدق ولباس حقّ ، يدعو إلى توفّر العناية في شأنها وإيضاح بطلانها ، لا سيّما وكلّ من عنى بهذا الشأن وتصدّى لعلم بلاغة القرآن ، قد شنّع على هذا القول وبالغ في بطلانه وإحالته على أنّ من نسب إليه ذلك لم ينقل عنه الاستناد إلى حجة ولا ضعيفة ، والتعويل على شبهة ولا سخيفة ، وإنّما هو رأي رآه ، أو احتمال أبداه « 1 » . هبة الدين الشهرستاني : وقال السيد هبة الدين الشهرستاني : نعم ، جنح أناس إلى القول بالإعجاز لسبب منعة إلهية ، ولصرف « الصرفة » . وأرادوا من الصرفة أنّ اللّه سبحانه كما قد يلهم العباد أحيانا ، كذلك قد يصرف الهمم والأفكار عن أن يباري القرآن أحد . مذهب أعوج أعرج . أو كما قيل : حرفة عاجز وحجّة كسول ، لا يليق إسناده إلى علمائنا الفحول . لأنّ اللّه عزّ شأنه فيّاض عدل ، ذو رأفة وفضل ، فهو أرفع شأنا من أن يأمر الإنس والجنّ ، أن يباروا القرآن ، ويرضى منهم بمباراة بعضه لو تعذّر عليهم مباراة كلّه . ثم يعترض سبيلهم ويصرف منهم القوّة والهمّة ، ويمنعهم من أن يأتوا بما تحدّاهم به . . .
--> ( 1 ) الدين والإسلام : ج 2 ص 137 .